أفكارٌ مُبَعْثَرة
أفكارٌ مُبَعْثَرة
علم الدين بدرية
(منعطف حاد)
تمرُّ الحضارات جميعها في مسيراتها التطويريّة، وارتقائها الثقافي والاجتماعي، بفترات توعكٍ مرحلي وانحطاطٍ زمني مؤقت، تتخطاه بإرادة وإصرار شعوبها، وتصميمها على متابعة مسيرة التّقدم والتّطور والارتقاء، لتسطِّر معالمَ واضحةً ومنيرةً في التاريخ الإنساني، فيبقى أثرها منارات مضيئة بالمعرفة والإرث الحضاري وصرحًا ثقافيًا، تنهل منه الأجيال القادمة.
لا شكَّ بأنَّ الأُمةَ العربيّةَ قاطبةً، تُعاني اليوم من انحطاط مرحليّ أو جزئيّ، له علاقة بالتغييرات التي حدثت خلال القرن الماضي في الشرق الأوسط والعالم العربي ككل، والتغييرات الإقليميّة والعالميّة التي تحدث حاليًا، وتترك ظلالاً قاتمةً، ولا أقول مُدمِّرةً على ارض الواقع، إن هذه الأزمة هي أزمة مرحليّة راهنة بسبب قصور وتوعك وقتي، وهناك مخاض، أو بزوغ فجرٍ جديد، لكن هل هو مخاض إقلاع وانطلاق ونظرة واقعية للأمور؟! أم هو مخاض انتكاس وارتداد قد يؤدي إلى مزيدٍ من آلام الطلق وأوجاع الولادة؟!! ومزيدٍ من التّوعك والارتداد؟!
هذا تساؤل مبدئي نترك الإجابة عنه للأيام القادمة!!
مُجتمعنا المحلي يعاني اليوم من تضعضع فكريّ وفراغ تنظيمي نتيجة لواقع ولمسلسلٍ من الأحداث والعوامل والتغييرات التي أثَّرت على مستوى العقليّة الفرديّة والعقليّة الجماعيّة في مجتمعنا، فالتغييرات الحاصلة في العقليّة الجماعيّة لا يُمكن لها أن تنعزل عن البيئة التي حدثت فيها هذه التغييرات والعوامل التي أثرت فيها، ولا يُمكن أن تنفرد بتغيير خصوصي أو خصوصيات لها خارج التغييرات التي تمت، وخاصة التغييرات التي حدثت في المنطقة العربيّة والشرق الأوسط، مما أدى إلى أنواع من الإشكاليات تتعامل معها مجتمعاتنا، منها إشكاليات أساسية ، ونقصد المستوطنة والمزمنة منها، كالفقر والجهل والمرض وإشكاليات ظرفية آنية وهذه تأتي نتيجة التغيير الاجتماعي، سواء في ذلك إشكاليات الانحراف، وتغيير الظروف السكنيّة والعمرانيّة والنمو الديموغرافي واضمحلال القيم، وتآكل الأخلاق، وضعف وسوء التربيّة واستشراء العنف والجريمة وغيرها وهي مشاكل قابلة للحل.
يقف المواطنون في مُجتمعاتنا المحليَّة على مفترق طرق مصيري ومنعطف حاد وفترة مخاض حقيقي قد تؤدي إلى الإقلاع إلى دورة قادمة، أو قد يترتب عليها الانتكاس في دورات متراجعة، أو الانتكاس لمزيد من الانتكاس وتعميق له!! لكننا نتفاءل بوصول الجماهير إلى درجةٍ عاليةٍ من الوعي والتعبئة، ولديها دائماً الاعتراض، ورأيها وصورتها للوضع الذي تعيشه، والاعتراض على ما هو شاذ وغير منطقي ولا ينطبق ومصالحها الاجتماعيّة.
(بين النظرية والتطبيق)
عندما نعجز عن تحقيق ما كنا نأمل بتحقيقه، تتحوّل النظريّة إلى أشلاء أحلام بالية لا وجود لها في عالم الواقع، وتصبح وعودنا في الأمس إدانة على مذابح الحقيقة المرَّة!! البناء أصعب بكثير من التخطيط، من الممكن رسم قصور في عالم الخيال، لكن تنفيذ ذلك على ارض الواقع يبقى وهمًا وأحلام يقظةٍ، إذا لم نمتلك الوسائل والإمكانيات لتحقيق ذلك.
إنَّ الواقع المرير الذي تحياه سلطاتنا المحليَّة ومجمّعتنا السكنيّة وينعكس سلبيًا على المواطنين في قرانا، هو نتيجة حتميَّة لسوء الإدارة وقلَّة الموارد والميزانيات وعدم المساواة وتضخيم التوقُّعات المتفائلة والإيجابيّة من إدارات فاشلة في الماضي وإدارات جديدة في الحاضر تُحاول النهوض من الأزمات العالقة وإعادة بناء ما تهدّم وإصلاح ما أُهمل على مدار سنوات وعقود عديدة!!
النظريّة والتّطبيق قطبين على طرفي نقيض، الأولى تُعنى بالمبادئ والمثاليّات والثانية تمثل البرغماتيّة بكل مساوئِها وشعارها "الغاية تبرّر الوسيلة" حتى ولو جاء ذلك على حساب المواطنين وتطلعاتهم لحياة أفضل!!
كان الأجدر بهؤلاءِ المتواجدين في موقع القرار، دراسة الواقع المعاش وقراءة المستقبل، قبل أن يكيلوا الوعود بالقنطار، ويزرعوا الدرب بالزهور والآمال!!
إنَّ الجماهير في قرانا في حالة انتظار عمَّا سيسفر عنه هذا المخاض الأليم، والعد التنازلي قد بدأ بالفعل، الانتخابات البرلمانيّة على الأبواب!! الوعود والآمال والأحلام الورديّة المعقودة عليها كثيرة لا تحصى، نأمل ألاّ يُصارع "دون كيشوت" طواحين الهواء!! نتمنى ألا تكون الولادة عسيرة وخيبة الأمل من المولود الجديد كبيرة، بحيث يفي ويلبِّي احتياجات المواطنين وتطلعاتهم، فخيبة الرجاء هي أصعب داء من الممكن أن يصيب أولئك المنتظرين في حجرة انتظار لن تطول كثيرًا!! وكلّنا أمل ألاّ يتمخض جبلُنا فينجب فأرًا!!
(وقفة تأمل)
كيف لنا أن نحُوّلَ فكرة المُثل العُليا، وممارسة الديمقراطيّة الفعّالة، وانتهاج طريق الحوار فيما بيننا، إلى واقعٍ مُعاش؟!
كيف لنا أن نَرسمَ مستقبلاً أفضلَ، ونبني مجتمعًا جديدًا، تتحقَّق فيه العدالة الاجتماعيّة والمُساواة بين الأفراد؟!
كيف لنا أن نزرعَ بذور الثقة، والعمل المُشترك، واجتياز الحواجز النفسيّة في مُجتمعٍ مُنغلقٍ مُتحجّرٍ على أنماطٍ من السلوك المغلوط وسياسة القطيع، وكمّ الأفواه، وحكمة الغاية تُبرّر الوسيلة؟!
كيف لنا أن نخطو الخُطوة الأولى في مسيرة الألف ميل ...!! ونحن ما نزال نرزح تحت عبء التبعيّة العائليّة والتحجّر الفكريّ والعنصريّة الطائفيّة والانتهازيّة والأفكار المسبقة المحنّطة في قوالب مهترئة وجامدة في وعينا الانزلاقيّ القرويّ الساذج؟!! فكيف نستطيع أن نرقى بواقع كهذا إلى مستوى المسؤوليّة والمُثل العُليا؟!
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى: [email protected]
موقع هنا الموقع الرائد بموضعيته ومصداقيته يدعوك للانضمام إليه عن طريق الواتس أب عبر الرابط المرفق : انضموا الينا

0 تعليقات