من الدفاتر القديمة قصّة............... الرئيس والحمار

Post

من الدفاتر القديمة قصّة

بقلم المحامي سعيد نفاع
"وبالكاد استطاع أن يسال "أبو حسّان" عن علاقته هو بموت الجحش رغم أنّه للتو أخذ عمره فزاد على عمره المكتوب عمر جحش وهذه زيادة لا باس بها، ومع هذا بادر "أبو حسّان":"
أمّا القصّة كاملة........ الرئيس والحمار
عندما وصلت أسماعَ شيخِ البلد حكايةُ الرئيس والحمار علّق دون حتى أن يبتسمَ بما معناه:
ما دام عندنا بقيةٌ من أرض" لم يفض ريق" الحكومةِ عليها، أو حفظناها رغم فيضان ريق الحكومة عليها ولكن ليس قبل أن ننشفَه، وما دامت أراضينا وعرةً جبلية معفية من غضب الله عليها غيرِ جاعل عاليها سافلَها كما جعل أرضَ لوط، ستظل الحميرُ جزءا من حياتنا تحملنا وتحمل أرزاقَنا وتجر "أعواد" الحرث صاغرة راضية رغم ثقلِ الأحمال وكبر"السكك" وقلةِ الرفق بها أحيانا، غيرَ شاكية إلا على ما ندر وفقط عندما تبلغ القساوةُ حدا يجعل حتى الحميرَ الصابرة لا تطيقها.  
وما الضيرُ أن تبقى جزءا من حياتنا فعلى الأقلّ إن لم تنفع لا تضرّ ولها أفضال علينا، ولا ينسى الفضلَ ألا قليلُ الأصل، لكن أن يصير مصيرُها من مسؤولية رئيس مجلسنا المحلي، فهذا فاق كلَّ الحدود.
وتابع بلهجة فيها الكثيرُ من الاحتجاج وحتّى الغضب:
الرئاسة عندنا، كلُّ رئاسة، ليس فقط مرغوبٌ فيها إنّما فيها "غيّة"، هكذا كانت وستبقى إلى أمد طويل على ما يبدو، فأحدُنا إن صار رئيسًا فقط قوةُ الله تستطيع أن تزيحَه وليس قبل أن تحلّ أزمة في "مصانع الكراسي"، وربّما الرغبةُ هذه لأن تاريخَنا مليء بمدح الزعماء ونحن نحب المديحَ زيادةً كبيرة عن اللزوم. 
فإذا كانت دواوينُ ملوكنا تعج بالشعراء المدّاحين فأعراسُنا اليوم تعج بالحُداة المدّاحين، ويطيب الأمرُ للبعض الكثير من رؤسائنا خصوصًا عندما "يُقوّدوا" صفَّ "السّحجة" ويروح الحادي، إرضاء "للمعزّب" يتفنن في كيل المديح للرئيس وليس بالضرورة أن تكون علاقةٌ بين المديح والممدوح، وهكذا هي الحالُ على الغالب، من "سيف العز أبو...." إلى "يا الهلالي انزل شوف" حتى لو جعل ذلك عظامَ الهلالي تنتفض، وحتى لو كان عزُّ البلد في الحضيض وهذا هو الحالُ في الكثير من مجالسنا. 
أمّا الحكايةُ أن رئيسَنا الجديد يدّعي أنّه ليس من هؤلاء، وعلى حدّ زعمه ما جاء للرئاسة إلا خدمة لأهل البلد ولتخليصِهم من نير الخنوع وقبولِ كلِّ ما هو آت من الأعلى من الربّ الكبير قبل الربّ الصغير، وعلى حد فلسفته أن الربَّ الكبير لا يحب الخانعين ومع هذا أن يصغروا أمام الربّ الكبير فهذا يحتمل، لكن أن يصغروا أمام "الرب الصغير"، الحكومةِ، كما حلا لهم أن ينعتوها وحتّى أمام أزلامها بصفتهم رسلِها فهذا ما لا يحتمل. وهو أراد الرئاسة غيرَ قابل نصيحةَ والدِه المعمّرِ والتي "على ذمّته" ينقلها عن لقمان الحكيم إذ أوصى ابنَه: "يا بني لا تكن رأس فالرأس كثير الأوجاع!"
بلا طول سيرة، لم يكد الرئيسُ يصلُ البيت بعد طول يوم مليء بوجع الرأس حتّى دخل عليه "أبو حسان"، وهو من القلة من أهل البلد الذين ما زالوا متمسّكين بأراضيهم فعلا لا قولا، وله الفضلُ أن أجيالَنا ما زالت تتذوق طعم عنب بلدنا الأصلي. وكعادة الفلّاحين اتّخذ مكانه دون استئذان وبالكاد سلّم، وراح يروي للرئيس ودون مقدّمات ما حلّ به، والحزن "البلكاد" تراه من زيادةِ "فلّاحيّة" الوجه، يعلو محياه:
- "يا عمي انت آدمي وابن أوادم ومش رايح ما توصلني حقّي... القصّة وما فيها إنّي امبارح حلّيت الجحش، أنت كبير القدر، من مربطه على عادتي عشان أروح اطلّ على الأرظات... لقيت الجحش على غير عادة حالته مش ولا بد. مع هذا صفّفته وركبته، يعني لا تواخذني. الجحش يعرف الطريق لحاله لكن لاقيتلك ايّاه هالمرّة ولا كأنه عارف... خزيت إبليس ولكشت الجحش ووجهته على الطريق وحسّيت من الأوّل إنه في إشي... مشية هالجحش غير شكل، وبعدين مش حايللّه جحش هو، انت كبير القدر، جحش اللي بدّك إياه، وبلا طول سيرة، كنت اشتريته......"
وراح يروي للرئيس، بطول سيرة، كيف اشتراه وبكم ومواصفاتِه ونوعِه ووو...  حتى اطمأنّ الرئيس بعد هذا الشرح أنّه إذا امتُحن بالحمير سيكون نجاحُه مضمونًا وبامتياز، وما زال صامتا يستمع، لكن على ما يبدو أنّ الطريق أمامه طويل ليفهم سرّ العلاقة بينه وبين الحمار، فحث "أبو حسّان" بأدب أن يصل إلى المطلوب، إلا أنّ جواب "أبو حسان": 
- ما أنا جاييك في الحكي ... وتابع:
- "قصر الكلام ...وين كنا؟ آه... هالجحش يمشي ويلوح شمال ويمين، شوي صار يوقف وخطوة لورا وخطوة لقدام، شوي ذبّل ذنيه وما شفتلك اياه إلا قلب، وأنا رحت على طولي وربّك ستر اللي ما تعوّرت، ما راحت كم دقيقة إلا، أنت كبير القدر، الجحش أعطاك عمره ..."
هنا بلغ الرئيس مبلغا الاحتمالُ معه مستحيل، فإن كان وظّف كلّ طاقاته كي لا ينفجر فقد انفجر مرة واحدة ولكن ضاحكا مثلما لم يضحك منذ زمن طويل، وبالكاد استطاع أن يسال "أبو حسّان" عن علاقته هو بموت الجحش رغم أنّه للتو أخذ عمره فزاد على عمره المكتوب عمر جحش وهذه زيادة لا باس بها، ومع هذا بادر "أبو حسّان":
- "طيّب الله يعوض عليك عوض خير! أنا شو علاقتي بالجحش... وشو المطلوب منّي...؟"
-  "آه... ما أنا ما قلتلك ليش مات!"
- "ليش؟"
وأخذت هذه "الليش" جولةً أخرى لم تقل عن سابقتها طولا واشتمالا على كلّ التفاصيل المهمّة وغير المهمّة، وبدا الرئيس يشعر أن روحه ستلحق روح الجحش قبل أن يعرف "ليش مات الجحش ". وحكايةُ "الليش" هذه بدأها أبو حسّان:
- "رجعت على البيت بعد ما أعطاك الجحش عمره يا كبّاه يا تعساه... ودربي على خالتك إم حسّان أسالها إذا شافت على الجحش إشي أو حسّت عليه إشي وإذا طعمتو وشو طعمتو... وقبل ما تردّ إمّ حسان عليّ صارت تسال: "الله يكفينا الشر وليش راجع ووين الجحش؟" حتى طلعت في راسي وصرخت: "الجحش مات يا امّ حسّان!"... ورحت راكض على المربط أفحصه وأفحص الطوالة ليْكون في إشي... فجأة إم حسّان بتقللي: إنّه امبارح جاء عمّال المجلس يرشوا دوا للقارص ورشّوا حول الجحش..."
عندها أحسّ الرئيس أنّ الفرجَ يقترب، فبدأت تظهر العلاقةُ بينه وبين الجحش، فبادر "أبو حسان":
- "طيّب إذا رشّوا ما الرش عشانكو وعشان يقتل القارص والذبّان... وشو علاقة الرش في الجحش؟"
فردّ أبو حسّان باستنكار:
- "كيف شو العلاقة؟ هذا سبب موت الجحش!"
ضحك الرئيس ملء شدقيه وبعد أن شبع ضحكًا التفت إلى "ابو حسّان" المستغربِ قائلا:
- "يا عمّي أبو حسّان الناس قايمة القيامة علينا إنّه الدوا اللي نرشّه ما ينفع لألله نافعة، كيف يقتل جحش!؟"
- "معلوم يقتل جحش!"
- " وشو عرّفك؟"
- " شو بدها معرفة الشغلة؟! الجحش كان طيّب مثل الحصان وصار اللي صار ثاني يوم الرّش... ما هي مبينة!"
رأى الرئيسُ أنّ أيَّ نقاش معه لن يفيد ولن يستطيع أن يثنيه عن قناعته أنّ الجحش مات من هذا السبب حتى لو أحضر بيطريّا وأفاد بغير قناعته، ولولا معرفتُه ب"أبو حسّان" واستقامتِه لظنّ به الظنون، ورأى أن يفتّش عن أقرب الطرق:
- "طيب والمطلوب؟"
- "تعوّض علي في ثمنه!"
اتّفق الرئيس وأبو حسّان على ثمن الجحش، ووعده أن يخصم ثمن الجحش المتفق عليه من الضريبة المستحقّة على "ابو حسّان" للمجلس، وما زال في ارشيف مجلسنا المحلي وثيقةُ رفعِ مسؤولية عن المحاسب هذا نصُّها:
" إلى المحاسب المحترم
أصادق بهذا على خصم مبلغ......من الضريبة المستحقة على حسن اليوسف (أبو حسان) تعويضا له عن موت جحشه، لادّعائه أن الجحش مات من دواء القارص الذي رشّه عمال المجلس في مربط الجحش.
باحترام الرئيس".
وأضيفت قصةُ الرئيس والجحش و"أبو حسان" إلى قائمة نوادرِ أهل بلدنا، لكن المهمَّ أن "أبو حسان" خرج راضيا والرئيسُ لعن الساعةَ التي صار فيها رئيسا.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى: [email protected]

موقع هنا الموقع الرائد بموضعيته ومصداقيته يدعوك للانضمام إليه عن طريق الواتس أب عبر الرابط المرفق : انضموا الينا

0 تعليقات

انضم إلى المحادثة