دالية الكرمل – من تمرّد جبل لبنان حتّى حلف الدّم مع إسرائيل

Post

دالية الكرمل – من تمرّد جبل لبنان حتّى حلف الدّم مع إسرائيل

ضمن سلسلة من الأعمال المتعلّقة بالطّائفة الدّرزيّة، ندعوكم للتعرّف على قصّة دالية الكرمل من خلال صور ومواد وُجدت في المكتبة الوطنيّة.

المصدر : المكتبة الوطنية الإسرائيلية 

متجر وصاحبه في دالية الكرمل عام 1960
تأسست قرية دالية الكرمل كقرية درزيّة منذ البداية في عشرينيّات القرن السّابع عشر حين أمر الأمير فخر الدّين المعني الثّاني ببناء ستّة عشر قرية درزية على جبال الكرمل في مدينة حيفا لتعزيز النّفوذ الدّرزيّ في المنطقة وحماية الحدود الجنوبيّة لولايته. فالأمير فخر الدّين المعني، الوالي الطّموح الّذي نجح ببناء جيشه الخاص وتوسعة ولايته لتشتمل على معظم أراضي سورية الكبرى، أراد أن يضمن وجود من يسانده في هذا الموقع الاستراتيجيّ على شمال السّاحل الفلسطيني فاختار جبل الكرمل، ويقال أنّ الموقع الّذي بُنيت عليه القرية كان يعجّ بالـ “دّوالي” البريّة (أوراق العنب باللّهجة الشّاميّة)، فكان جنود المعني يشيرون إلى الموقع بالـ “دالية”، وهكذا أصبحت القرية المقامة عليها “دالية الكرمل”.

لم يبقى إلى اليوم من هذه القرى السّتة عشر سوى دالية الكرمل وجارتها عسفيا، وكان سكّان هذه القرى الأوائل من عائلات الطائفة درزيّة موالية للمعني من سورية ولبنان. وهناك روايات أخرى تُرجّح بداية التّوطّن الدّرزي في جبل الكرمل إلى ما بعد فترة الأمير فخر الدّين، كما ويعتقد البعض أن القرية وُجدت قبل هذه الفترة لوجود مقام قديم في القرية.

نساء من دالية الكرمل بجانب فرن القرية ، 1890-1910، أرشيف بن تسفي

لقرية دالية الكرمل تاريخ متفرّد خاص بها يميّزها عن المنطقة ويربطها بمناطق أخرى وبالتّاريخ الأوسع لسورية الكبرى، فبالرّغم من الاختلاف حول قصّة بنائها، إلّا أن جميع القصص تشير إلى الهجرة من سورية ولبنان نحو فلسطين، ثمّ لاحقًا، الهجرة الدّاخلية من قرى محيطة إلى دالية الكرمل أثناء حملة إبراهيم باشا على سورية في منتصف القرن التّاسع عشر؛ إذ هاجم قرى الدّروز في الكرمل في طريق عودته إلى مصر فأدّى إلى نزوح أهالي عدد من القرى الدّرزيّة المحيطة إلى دالية الكرمل وهدم قراهم. بالإضافة إلى موجة نزوح ثانية شهدتها القرية عام 1948 من سكّان القرى المجاورة.

نجد في داخل القرية منطقة أثريّة تحتوي على مدافن ومعاصر وأُسس منحوتة من الصّخور تشهد على تأسيس القرية وتغيّر ثقافتها عبر العصور. وفي العقود الأخيرة من العهد العثماني في فلسطين، نجد أن القرية استقبلت بكلّ ترحاب ساكنًا أجنبيًا من أصول اسكتلنديّة “سير لورانس أوليفانت” الرّحالة، الّذي ابتاع في القرية قطعة أرض وعمّر فيها بيتًا على الطّراز الأوروبي ما زال قائمًا إلى اليوم. وقد كتب أوليفانت عدّة مقالات صحافيّة حول حياته في فلسطين وصف فيها معيشته مع الدّروز في دالية الكرمل، ووصفهم بالجدّيين والمستقيمين، وبالطّيبين الّذين يُقدّرون المعاملة الحسنة.

قبل فترة مكوث سير أوليفانت، ذكر الرّحالة البريطانيّ لورد كيشنر أنّ عدد سكّان دالية الكرمل عام 1859 كان 300 نفرًا وفي عسفيا 400 نفرًا. وقد بلغ عدد سكّان دالية الكرمل في عام 1911 بحسب الإحصاء العام للحكومة العثمانيّة 838 نفرًا سكنوا قرابة مائتين بيت من بينهم عائلة حلبي وبيراني وقرا/قره وسلوم وخطيب وقبلان وحسّون وغيرهم.

دالية الكرمل في عهد الانتداب البريطاني – الثّورة الفلسطينيّة وبناء المدارس

 
خبر يتناول دالية الكرمل في جريدة الدّفاع 7.4.1938


نرى عبر الأخبار الّتي تناولت دالية الكرمل في عهد الانتداب البريطانيّ أنّ حال القرية لم يختلف عن أحوال قرى فلسطين عمومًا. فبالرّغم من الاعتقاد العام بأن أبناء الطّائفة الدّرزية لم ينخرطوا في صفوف المعارضة الفلسطينيّة لحكومة الانتداب والهجرة اليهوديّة، نجد خبرًا عن القرية في جريدة الدّفاع في السّابع من نيسان عام 1938، أي في أوج الثّورة الفلسطينيّة الّتي اندلعت عام 1936 واستمرّت حتّى عام 1939، بأنّ حكومة الانتداب البريطانيّ تفرض على أهالي قرية دالية الكرمل غرامة بقدر خمسمائة جنيه بل وأرسلت قوّة خاصّة إلى القرية لجباية الضّريبة. وكان سبب هذا العقاب الجماعيّ هو إطلاق النار من قرية دالية الكرمل نحو عمّال يهود كانوا يقومون بتعبيد طريق جديدة في سفح الجبل.

“دالية الكرمل قرية عربيّة” من صفحة شؤون الفلّاحين في جريدة الاتّحاد 21.5.1944


بينما يجدر بالذّكر هنا أنّ أهالي القرية كانوا قد رحّبوا بالطّرق المعبّدة من قبل حكومة الانتداب قبل ذلك، فأوّل طريق للقرية تمّ شقّه في بداية الثّلاثينيّات من أجل استقبال ضيوف لساكنة أجنبيّة في بيت أوليفانت السّابق ذكره، إذ قامت السيّدة بدعوة حاكم لواء حيفا مع ضيوف آخرين وفي أعقاب الدّعوة تمّ تعبيد شارع يربط قرية دالية الكرمل بحيفا عن طريق عسفيا، وكان هذا الشّارع وفقًا لإصدار مركز “سِوا”، أول طريق معبّد يصل القرية بالخارج، وقد رحّب به أهالي القرية حينها.

رجال يركبون الحميرعند مدخل القرية عام 1939، أرشيف بن تسفي


رجال في دالية الكرمل يلعبون الشطرنج عام 1936، أرشيف بن تسفي
 

كما نجد في عام 1944 محاولة من شابّين من دالية الكرمل لفت نظر حكومة الانتداب إلى حاجة مدرسة القرية الّتي بناها أهالي البلدة بأنفسهم للتّوسعة والرّعاية الحكوميّة إذ لم تتّسع حينها إلّا لنصف أطفال القرية الّذين يرغبون بالتّعلّم. وقد قاموا بذلك من خلال السّفر إلى أحد مكاتب جريدة الاتّحاد وتقديم طلب لنشر شكواهم وطلباتهم لتسمعها حكومة الانتداب.

 


زائرتان يهوديتان للقرية 1937-1939، أرشيف بن تسفي


 

العقود الأولى تحت الحكم الإسرائيلي –  التّجنيد الإجباري بين القبول والرّفض

 

 
أهالي حيّ في دالية الكرمل مجتمعين عام 1956، أرشيف بن تسفي


 
منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، تطوّع عددٌ من الدّروز في صفوف الجيش الإسرائيلي في كتيبة خاصّة ضمت دروز، بدو وشركس، إلّا أنّه في أواخر الخمسينيّات، قامت دولة إسرائيل بالاعتراف بالطّائفة الدّرزية كديانة مستقلّة، كما فُرض على شباب قرية دالية الكرمل، كحال جميع الشّباب الدّروز حينها في البلاد، الخدمة الإجباريّة في الجيش الإسرائيليّ بعد سنوات قليلة من المراسلات والتردّدات بين بعض قادة الطّائفة الدّرزيّة على رأسهم الشيخ أمين طريف والحكومة. إلّا أنّ قرار فرض التّجنيد قوبل أيضًا برفض من قبل شريحة كبيرة من الدّروز؛ حيث امتنع الكثير من الشّبان عن استلام أوامر تجنيدهم، فنجد في عام 1956 على سبيل المثال أن 60 فقط من أصل 141 شاب مطلوب للتّجند من قرى الكرمل  حضروا بالفعل إلى مكتب التّجنيد في حيفا. (وثيقة من أرشيف الجيش بحسب فرّو، 2019، ص284) استمرّت محاولات قمع هذا الرّفض حتّى سنوات السّبعينيّات على ما يبدو، إذ نجد حادثة في صحيفة الاتّحاد في 17 حزيران 1978، تصف غضب أهالي قرية دالية الكرمل من اقتحام بيوتهم واعتقال أبنائهم بالقوّة لإجبارهم على التّجنّد في حملة امتدّت إلى دروز شفاعمرو كذلك.

 

“العدوان البوليسي على دالية الكرمل” صحيفة الاتّحاد 27 حزيران 1978

 

حلف الدّم وزيارة زعماء دولة إسرائيل إلى دالية الكرمل

إن كانت العلاقات مضطربة في بدايتها فإنّها في العقود التّالية ازدهرت بلا شكّ بين القرية الجبليّة والدّولة كما ازدهر بالتّوازي اقتصاد القرية وأسواقها السّياحيّة. ويظهر هذا الازدهار جليًا في مجموعة من الصّور الّتي التقطت أثناء زيارات عديدة لقادة الدّولة إلى القرية في مناسبات عديدة. ففي الثّامن من أيّار عام 1968 شارك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه دايان في جنازة الرّقيب لطفي ناصر الدّين من قرية دالية الكرمل وشارك في مراسم الدّفن بنفسه تأكيدًا على تقدير الدّولة لدور الدّروز في حماية أمنها. كما نجد في عام 1974 احتفالاً بافتتاح سوق للقرية بحضور وزير السّياحة حينها موشيه كول الّذي استقبله أهالي القرية برفع الأعلام الإسرائيليّة. وفي عام 1991 شارك رئيس الحكومة يتسحاك شامير في مؤتمر احتفالي للطّائفة الدّرزيّة في القرية.

 


من جنازة الرّقيب الرّاحل لطفي ناصر الدّين 1968، يظهر قائد الأركان موشيه دايان وفي يمين الصّورة يظهر الشّيخ أمين طريف رئيس الطّائفة الدّرزيّة، أرشيف دان هداني


من جنازة الرّقيب الرّاحل لطفي ناصر الدّين 1968، أرشيف دان هداني


من افتتاح سوق في دالية الكرمل عام 1974 بحضور الوزير موشيه كول، أرشيف دان هداني
 

صورة داخل متجر في دالية الكرمل عام 1974، أرشيف دان هداني


رئيس الحكومة السّابق يتسحاك شامير في دالية الكرمل عام 1991، أرشيف دان هداني
 

تطوّرت العلاقات بين أبناء الطّائفة المعروفيّة  في دالية الكرمل والبلدات الدّرزيّة ودولة إسرائيل بلا شكّ فأصبحت مزارًا للسّياحة الدّاخليّة للمواطنين اليهود الّذين يرغبون بالتّعرف على ثقافة الدّروز الّذين يخدمون الدّولة جنبًا إلى جنب معهم، كما تمّ إنشاء المصانع والمشاغل والمصالح الّتي ساهمت بنهضة اقتصاديّة ملحوظة، وقد وصف البعض هذه العلاقة بين أبناء الطّائفة الدّرزيّة والدّولة ب”حلف الدّم” للتأكيد على أنّها علاقة وثيقة ومتينة وهو ما نراه في المشاهد التّي تصدّرت الصّور الأرشيفيّة لقرية دالية الكرمل في المكتبة، إلّا أننّا نجد أيضًا أنّ مطالبات القرية بالمساواة والتّطوير بقيت تطفو على السّطح من خلال رؤساء المجلس المحلّي تارة والمظاهرات الشّعبيّة تارة أخرى، وهو ما نراه في أخبار القرية في صحيفة الاتّحاد في سنوات الثّمانينيّات والتّسعينيّات.

إليكم بعض هذه الأخبار:

 
عن شكوى عاملات دالية الكرمل في المصانع، الاتحاد 26 حزيران 1981


 

 

 

 

دالية الكرمل تستعدّ للنّضال الشّعبي إن لم يتم الاعتراف بها كقرية تطوير “أ”، الاتّحاد 6 تشرين الثّاني 1994
 

المصادر التي اعتمد عليها في هذا المقال:

دالية الكرمل في ثلاثمائة عام، نزيه خير، دار الهدى للنّشر في كفرقرع، 1991.
دالية الكرمل حضارة وتاريخ، حركة سوا، 2009.
دروز في زمن الغفلة، قيس فرو، مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة، 2019.

0 تعليقات

انضم إلى المحادثة